“حرب المساعدات”.. تحقيق خاص لــ “تدقيق” يكشف خطط إسرائيل لنشر الفوضى في غزة ومحاولات المقاومة للتصدى لها

"حرب المساعدات".. تحقيق خاص لــ "تدقيق" يكشف خطط إسرائيل لنشر الفوضى في غزة ومحاولات المقاومة للتصدى لها

"حرب المساعدات".. تحقيق خاص لــ "تدقيق" يكشف خطط إسرائيل لنشر الفوضى في غزة ومحاولات المقاومة للتصدى لها

في ظل الحرب التي يفرضها الاحتلال على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، تدور حرب أخرى خفية بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية، وهي حرب المساعدات الإنسانية، والتي يدخل منها كميات شحيحة للقطاع المحاصر.

كما يتم سرقة ما يدخل منها من التشكيلات العصابية التي زادت مؤخرًا في القطاع، والذي يُتهم الاحتلال بدعمها وتسهيل حركتها في ظل الاستهدافات المستمرة للشرطة المدنية وعناصر تأمين المساعدات، بعد إبعاد المؤسسات الدولية عن العملية، في حرب ممنهجة من الاحتلال لإشاعة الفوضى في القطاع.

في هذا التحقيق يكشف فريق عن “تدقيق” طرق الاحتلال لإشاعة الفوضى في قطاع غزة، ومساعدته لعصابات الجريمة المنظمة في السيطرة على المساعدات، وماهي الجهود الشعبية من العشائر الفلسطينية والمؤسسات المجتمعية والمقاومة الفلسطينية لمقاومة مخططات الاحتلال.

كيف يسعى الاحتلال لإِشاعة الفوضى في غزة؟

منذ السابع من أكتوبر 2023، بدأ الاحتلال حربه على قطاع غزة، ومعها بدأ في عملية حصار أدت لمنع دخول المساعدات الإنسانية للقطاع إلا بالقدر اليسير الذي يسمح به الاحتلال.

في المعتاد تقوم المؤسسات الأممية كالأنروا بتولي مسئولية توزيع المساعدات الإنسانية في غزة، ويتولى حمايتها وزارة الداخلية في غزة.

1- منظمة الأونروا

الأونروا وفقًا لموقعها الرسمي هي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى، والمساعدة والحماية وكسب التأييد للاجئي فلسطين في الأردن ولبنان وسورية والأراضي الفلسطينية المحتلة، وذلك إلى أن يتم التوصل إلى حل لمعاناتهم.

 ويتم تمويل الأونروا بشكل كامل تقريبا من خلال التبرعات الطوعية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

وتشتمل خدمات الوكالة على التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والبنية التحتية وتحسين المخيمات والدعم المجتمعي والإقراض الصغير والاستجابة الطارئة بما في ذلك في أوقات النزاع المسلح.

مع بداية الحرب استهدف الاحتلال الوكالة واتهمها بالإرهاب ومساعدة حركة حماس، كما استهدف الاحتلال مدارس الوكالة والتي تؤوي آلاف النازحين، بالإضافة لقتل مئات الموظفين التابعين للوكالة. 

في شهر سبتمبر الماضي، أعلن المفوض العام للوكالة، فيليب لازاريني، عن مقتل ما لا يقل عن 223 موظفا في الأونروا منذ اندلاع الحرب.

في 16 يوليو 2024، قالت الوكالة، إن نحو 70% من مدارسها في قطاع غزة استهدفتها إسرائيل منذ بدء الحرب، وفي 13 نوفمبر الماضي، أعلنت الوكالة عن شن الاحتلال 64 هجوما على مدارسها في غزة خلال أكتوبر الماضي بمعدل هجومين يوميا.

كما عملت الآلة الإعلامية الإسرائيلية على اتهام الوكالة بالإرهاب ودعمها حركات المقاومة من خلال زعمها اكتشاف أنفاق داخل مؤسسات الوكالة أو زعم ارتباط أحد منسبيها لحركة حماس.

أبرز الاتهامات التي وجهها الجيش الإسرائيلي للوكالة:

في 4 نوفمبر الماضي، أبلغت وزارة الخارجية الإسرائيلية الأمم المتحدة بإلغاء الاتفاقية المبرمة مع ووكالة الأونروا في العام 1967، وذلك بعد أسبوعٍ على إقرار الكنيست قانونًا يحظر نشاط وكالة الأونروا في الأراضي المحتلّة والضفة الغربية وقطاع غزة.

ووجّه وزير الخارجية الإسرائيلي السابق يسرائيل كاتس، اتهاما للأونروا بأن موظفيها شاركوا في الهجوم الذي شنته المقاومة الفلسطينية على مستوطنات في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

رد المتحدث باسم الأونروا جوناثان فاولر على القرار الإسرائيلي، قائلا “إذا تم تطبيق القرار فمن المرجح أن يتسبب في انهيار العملية الإنسانية الدولية في قطاع غزة التي تشكل الأونروا عمودها الفقري”.

2- المطبخ المركزي

في 2 أبريل 2024، اغتال الاحتلال 7 من أفراد منظمة المطبخ المركزي العالمي، في منطقة دير البلح وسط قطاع غزة، ما أدى إلى تعليق المنظمة عملياتها الإغاثية بالقطاع

3- الشرطة المدنية ولجان تأمين المساعدات

عمد الاحتلال على استهداف الشرطة المدنية في قطاع غزة، وهي المنوط بها حماية وتأمين المساعدات، والقضاء على قطاع الطرق والعصابات التي تروع المواطنين.

 نرصد في التحقيق أبرز حوادث استهداف قوات الشرطة وعناصر تأمين المساعدات:

كيف تتم سرقة المساعدات؟

وفقًا لمصادر ميدانية تحدثت لــ “تدقيق“، فإن عصابات سرقة المساعدات تركز تحركاتها في منطقة شرق رفح، والتي يحتلها الجيش الإسرائيلي بالكامل، خاصة على بعد كيلو متر واحد من معبر كرم أبوسالم التي تدخل منه إسرائيل المساعدات للقطاع، بعد إغلاق معبر رفح.

وتكون عمليات السرقة بالقرب من جنود الجيش الإسرائيلي الذي يغض الطرف عن تلك السرقات، خاصة أنها تحدث في مناطق تحت سيطرته، ولاتستطيع الشرطة المدنية الوصول إليها بسبب استهداف الاحتلال لها.

وزادت عمليات سرقة المساعدات منذ احتلال الجيش الإسرائيلي لمحور فيلادلفيا الواقع على الحدود بين مصر وغزة في مايو الماضي، ما أدى لإغلاق معبر رفح المنفذ الوحيد للقطاع على العالم الخارجي.

كما كشفت المصادر أن أعضاء تلك العصابات هم ممن لهم سوابق إجرامية، كما عمل بعضهم في عمليات التهريب بين مصر وغزة قبل السابع من أكتوبر.

ويقول المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن هذه العصابات تسببت في استشهاد أعداد كبيرة من عناصر الشرطة وفرق التأمين التي تخاطر بحياتها لحماية شاحنات المساعدات.

في 10 نوفمبر الماضي، كشف تحقيق لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن الهجمات المسلحة على المساعدات الإنسانية في غزة تتم تحت أعين قوات الجيش، وعلى مسافة مئات الأمتار قرب الجنود”.

ونقلت “هآرتس” عن مصادر في منظمات إغاثة دولية أن مسلحين، مرتبطين بعشيرتين معروفتين في منطقة رفح، يمنعون بشكل منهجي جزءًا كبيرًا من الشاحنات التي تدخل قطاع غزة عبر معبر “كرم أبو سالم” من الوصول إلى أهدافها، بينما جيش الاحتلال يغض الطرف عمدًا عن أفعالهم.

وأضافت الصحيفة، أن الجيش الإسرائيلي ضالع في عمليات النهب، إذ يطلق الجنود النار إذا كان المسلحون تابعين لـ”حماس” أو شرطتها، ولا يتزحزحون من أماكنهم إذا كان الملثمون تابعين لعصابات تعرفها القوات الإسرائيلية، كما أن الجنود لا يمانعون جباية إتاوة من شاحنات المساعدات الإنسانية.

وهو ما أكده مقاطع فيديو للجيش الإسرائيلي يستهدف بمسيراته عناصر تأمين المساعدات.

من يسرق المساعدات؟

في 19 نوفمبر 2024، قالت صحيفة “واشنطن بوست“، إن مذكرة داخلية للأمم المتحدة أكدت أن عصابات سرقة المساعدات في غزة “تستفيد من تساهل إن لم يكن حماية من الجيش الإسرائيلي”، وأن قائد عصابة أنشأ ما يشبه قاعدة عسكرية بمنطقة سيطرة للجيش الإسرائيلي.

ووفقا لتلك المذكرة فإن “ياسر أبو شباب”، هو الطرف الرئيس في النهب المنظم للمساعدات في غزة، كما كشفت مصادر أخرى في قطاع غزة عن اسم “شادي الصوفي” كشريك في عمليات سرقة المساعدات.

ياسر أبو شباب

أبوشباب هو أحد أفراد قبيلة “الترابين” جنوب غزة والتي تمتد جذورها لشمال سيناء في مصر، وهو المسؤول عن عمليات سرقة المساعدات.

ونقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن رئيس جمعية النقل الخاصة في غزة، ناهد شحيبر، قوله إن الرجل الذي تعتقد جماعات الإغاثة أنه زعيم العصابة الأكثر نشاطًا قضى بعض الوقت في سجن حماس بتهم جنائية قبل الحرب.

وأضاف أن أبو شباب الذي يعمل من الجزء الشرقي من رفح، يقود مجموعة تتألف من نحو “100 بلطجي” يهاجمون الشاحنات التي تحمل المواد الغذائية وغيرها من الإمدادات إلى غزة. 

ووصف كيف تقيم العصابة سواتر ترابية لقطع الطريق على القوافل على طول الطريق الذي تسيطر عليه “إسرائيل” من معبر كرم أبو سالم، حيث ينتظرون ببنادق الكلاشينكوف وغيرها من الأسلحة.

وأضاف أنه “في حادثة وقعت في أوائل تشرين الأول/ أكتوبر، هوجمت نحو 80 شاحنة من أصل 100 شاحنة تابعة لشحيبر، وسرق رجال أبو شباب البضائع الموجودة بداخلها”، وأضاف أنّ العصابة قتلت أربعة من سائقيه منذ أيار/ مايو، وكان آخرهم في هجوم وقع في 15 تشرين الأول/ أكتوبر.

وفي مكالمة مع الصحيفة  اعترف أبو شباب بأنّه وأقاربه “يأخذون من الشاحنات”، لكنه أصر على أنهم لا يلمسون “الطعام أو الخيام أو الإمدادات للأطفال”.

ياسر أبو شباب

شادي الصوفي

الصوفي هو مجرم سابق وسبق أن تم اعتقاله على يد شرطة غزة في 13 سبتمبر 2020، بتهمة قتل المناضل الفلسطيني والأسير المحرر  “جبر القيق”، في 13 يوليو 2020.

اعتقال “شادي الصوفي” 

بتهمة قتل الأسير المحرر “جبر القيق”

أعلن شادي الصوفي عبر صفحته على الفيسبوك حينها، أنه أقدم على قتل المناضل القيق ثأراً لقتل والده على يد القيق قبل 30 عاماً إبان الانتفاضة  الفلسطينية الأولى، وأثنت عشيرة الصوفي على الانتقام، حيث أشرف القيق عضو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، على ملف تصفية العملاء في الانتفاضة الأولى، وكان والد القاتل أحد الأشخاص الذين تم تصفيتهم.

جبر القيق

أسير محرر وعقيد بالشرطة الفلسطينية

في 17 فبراير من العام 2021، صدر حكم بالإعدام شنقًا على شادي الصوفي، قبل أن يفر من السجن بمساعدة مسلحين ويتم تهريبه من غزة إلى سيناء، ثم فر إلى النقب لكنه عاد إلى غزة مع التوغل البري لجيش الاحتلال الإسرائيلي.

كيف سعت المقاومة لتأمين المساعدات؟

سعت حكومة غزة منذ بداية الحرب لتأمين المساعدات عن طريق الشرطة المدنية، والتي عمل الاحتلال على استهدافها، فتم تشكيل لجان من المدنيين والعشائر الفلسطينية لعمليات التأمين والتي تم استهدافها لاحقا، قبل أن تظهر للعلن الوحدة “سهم” التابعة لوزارة الداخلية في غزة. 

الوحدة “سهم”

في 19 فبراير الماضي، نجحت الوحدة في نصب كمين لعصابات سرقة المساعدات ما أدى لحدوث اشتباكات مسلحة، استخدم فيها أسلحة مضادة للدروع، أدت لقتل 20 من لصوص المساعدات، ما أثار ردود فعل إيجابية من أهل القطاع.

هي وحدة للمهام الخاصة تابعة لوزارة الداخلية في غزة، تتلقى تدريبات خاصة، كما يمكنها التعامل مع الكوارث والأزمات.

وعلى عكس ما يشاع فالوحدة ليست بالجديدة بل هي وحدة موجودة منذ سنوات في جهاز الشرطة بغزة، وهي التي ألق القبض عام 2020 على “شادي الصوفي

بعد الحرب ارتفع دور الوحدة  لتتكون من عناصر من الشرطة وأجهزة أمنية أخرى ومتطوعين، وتتحرك بزي مدني في قطاع غزة لتفادي استهداف القوات الإسرائيلية لها، ولمراقبة الطرق الرئيسية التي تعبر منها شاحنات المنظمات الدولية. 

كما تقوم تلك الوحدة بمراقبة الأسواق لضبط التجار الذين يبيعون السلع المسروقة من شاحنات المساعدات.

Exit mobile version