في الوقت الذي تعلن فيه إثيوبيا وإسرائيل عن تعزيز تعاونهما العسكري والأمني، تتصاعد المخاوف حول التداعيات الخطيرة لهذا التحالف على الأمن القومي المصري، خاصة في ظل الأزمة المستمرة حول سد النهضة، الذي بات أداة استراتيجية تستخدمها أديس أبابا لإعادة تشكيل معادلة القوة في المنطقة.
تحالف تل أبيب وأديس أبابا.. استهداف مباشر لمصر؟
لم يكن الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا وليد اللحظة، بل هو جزء من استراتيجية ممنهجة لإضعاف النفوذ المصري في إفريقيا.
فمنذ عقود، تلعب تل أبيب دورًا خفيًا وعلنيًا في دعم المشاريع الإثيوبية، وعلى رأسها سد النهضة، الذي يشكل تهديدًا وجوديًا لمصر عبر التحكم في تدفق مياه النيل، شريان الحياة الأساسي للمصريين.
المثير للدهشة أن هذا التحالف يتصاعد في وقت تشهد العلاقات المصرية-الإسرائيلية تعاونًا غير مسبوق، ما يثير تساؤلات حول مدى جدوى هذا التعاون، إذا كانت إسرائيل في الوقت ذاته تدعم تهديدًا استراتيجيًا لمصر من الجبهة الإثيوبية.
كيف فرّطت مصر في حقوقها المائية؟
منذ بداية أزمة سد النهضة، تعاملت الحكومة المصري بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمنطق التنازل والاستسلام، متجاهلًا التحركات الإسرائيلية-الإثيوبية التي تهدف إلى محاصرة مصر مائيًا، من خلال الآتي:
- اعتراف رسمي بالسد: توقيع اتفاق المبادئ في 2015 كان الخطوة الأخطر، حيث منح السيسي لإثيوبيا شرعية بناء السد دون ضمانات حقيقية للحفاظ على حصة مصر التاريخية.
- عجز دبلوماسي وعسكري: بينما كانت إثيوبيا تواصل بناء السد بدعم خارجي، لم تحرك مصر ساكنًا سوى ببيانات دبلوماسية ضعيفة، بينما كان يجب اتخاذ خطوات ردع أكثر حزمًا.
- التنازلات المستمرة: رغم تهديدات السد الوجودية، لم تتخذ القاهرة أي إجراءات جادة، بل استمرت في التقارب مع إسرائيل، رغم دعم الأخيرة غير المعلن لمشاريع إثيوبيا المائية.
السيسي وإسرائيل.. تحالف بلا مكاسب لمصر؟
على الرغم من تصاعد التعاون الأمني والسياسي بين القاهرة وتل أبيب، إلا أن إسرائيل لم تتراجع عن دعمها لإثيوبيا، بل زادت من تعزيز العلاقات العسكرية والاستخباراتية مع أديس أبابا، ما يجعل نظام السيسي في موقف المتواطئ أو العاجز عن حماية مصالح بلاده.
في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل ستتوقف عن دعمها لإثيوبيا، فهي ترى في سد النهضة ورقة ضغط استراتيجية يمكن استخدامها لموازنة القوى في المنطقة، وإضعاف الدور المصري في إفريقيا، وتعزيز نفوذها الجيوسياسي على حساب القاهرة.
هل تستيقظ مصر قبل فوات الأوان؟
في ظل هذه التطورات، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يستمر النظام المصري في تجاهل المخاطر المحدقة بأمنه القومي؟ وهل يدرك أن التحالف مع إسرائيل لم يجلب سوى الضعف والتآكل الاستراتيجي لمصر، بينما تستمر تل أبيب في التلاعب به من خلال تحالفاتها السرية والمعلنة؟
ما لم تتحرك القاهرة بجدية لحماية حقوقها المائية، واتخاذ إجراءات أكثر قوة ضد إثيوبيا، فإن مستقبل الأمن المائي المصري سيظل مرهونًا بأطماع القوى الإقليمية، وعلى رأسها إسرائيل التي تلعب دورًا مزدوجًا، بين التعاون مع السيسي من جهة، ودعم خصوم مصر الاستراتيجيين من جهة أخرى.




