بعد لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ضيافة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالعاصمة الرياض، وما تبعه من رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، وما طلبه ترامب من الشرع بالانضمام إلى اتفاقية “إبراهام” التطبيعية مع الاحتلال الإسرائيلي، ودعواته لإخراج المقاتلين الأجانب وعناصر المقاومة الفلسطينية من البلاد، اندلعت سجالات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي العربية
وتركّز الجدل حول الاحتفاء المبالغ فيه من قبل بعض النشطاء والإعلاميين السوريين بلقاء الشرع بترامب، ودور محمد بن سلمان في رفع العقوبات، في ظل تساؤلات عن الثمن السياسي الحقيقي لهذا التقارب.
بن سلمان.. عدو أم صديق؟
من أبرز محاور النقد أن من يمتدح بن سلمان اليوم، يتناسى محاولاته السابقة لدمج نظام بشار الأسد في المنظومة العربية، واعتقاله لعشرات السوريين الداعمين للثورة، ودوره الكبير في دعم مشاريع الثورة المضادة التي أجهضت آمال الشعوب في الحرية والتحرر.
كما وُجّه لوم مباشر للرئيس الشرع، بسبب تراجعه عن تصريحاته السابقة التي هاجم فيها الولايات المتحدة وحكام الخليج، إلى جانب مواقفه المتساهلة تجاه الاحتلال الإسرائيلي الذي يجتاح الأراضي السورية ويسيطر على مقدراتها كما يشاء، في مقابل سعيه المحموم لإرضاء الإدارة الأمريكية.
لعبة تكتيكية أم انحناء مبدئي؟
دافع البعض عن الشرع بالقول إنه يمارس لعبة سياسية للحصول على امتيازات اقتصادية تعينه على بناء الدولة، مشبّهين موقفه بتكتيك الشهيد يحيى السنوار، القائد السابق لحماس، الذي خدع إسرائيل قبل معركة طوفان الأقصى.
لكن المقارنة بين الرجلين تظل محل تساؤل:
فـ السنوار كان في قلب المعركة، يُعدّ للمواجهة، ولم يهادن الاحتلال يومًا. بعد معركة سيف القدس عام 2021، ألقى خطابًا كان وصفًا دقيقًا لمعركة الطوفان التي جاءت بعد عامين من تاريخ الخطاب، في تحد كبير للاحتلال، ما يؤكد أن ما فعله كان تكتيكًا عسكريًا لا انحناء سياسيًا.
أما في حالة الشرع، فالواضح أن تصريحاته وخطواته تعكس انحناءً مفرطًا أمام الاحتلال الأمريكي والإسرائيلي، لا مجرد تكتيك مؤقت.
المجتمع الحي يمنع الاستبداد:
حتى وإن كانت سياسات الشرع مفهومة في سياق الأزمات الاقتصادية والانقسامات الداخلية والضغوط الإقليمية، فإن ما لا يليق أبدًا هو هذا المديح المفرط من النشطاء والإعلاميين السوريين لكل قرارٍ تتخذه السلطة، حتى وإن تناقض مع كرامة الدولة أو سيادتها، أو أضرّ بثوابت الأمة التي لا تزال تناضل ضد الاحتلال ووكلائه.
فالشعب الذي خرج من استبداد استمر ستة عقود، لا ينبغي له أن يصنع طاغية جديدًا.والمجتمع الحي هو الذي يحاسب، ويقوم، ويرشد، لا يصفق دون وعي.
ولايليق بالمجتمع الإسلامي عموما إلا أن يكون مجتمعا حيًا، يٌقوم الحاكم إن أخطأ ويرشده للطريق الصحيح، ولا يتركه لشر نفسه وشر الكرسي، فتتحول النوايا الحسنة إلى سيئة يغالبها حظ النفس وحظ الحكم، ومدح المطبلين.
الوعي الجمعي هو الضمانة الوحيدة
فما هو متاح للحاكم من سياسة ومهارة وحيل لايعرفها إلا هو ودوائره الضيقة، لايمكن أن يعلمها الشعب، ولا يجوز له إلا أن يقف بقوة كل ما هو غير صحيح، حتى يتبين لاحقا عكس مايرى.
قد يبرر البعض للشرع أنه يعرف تفاصيل لا يعلمها المواطنون، وأنه يتحرك وفق معادلات معقدة، لكن ما لا يعلمه الناس لا يعفيهم من واجبهم في رفض كل ما هو مشبوه أو مشين فالسياسة قد تكون معركة مؤجلة، لكن الكرامة لا تُؤجّل.




